اسماعيل بن محمد القونوي

433

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أو الملائكة حضروه ) فيكون من الحضور بالذات فعلى هذا يكون الشهيد بمعنى المفعول ولم يكن في كلامه السابق إشارة إليه سوى قوله إذ التركيب للحضور فإن فيه نوع رمز إلى أن الحضور فيه معتبر مطلقا سواء كان بطريق القيام أو بطريق الوقوع والمراد بحضور الملائكة حضورهم للتبشير بالسلامة والأمن من الخوف والحزن وكذا الحال في سائر المتقين قال تعالى : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا [ فصلت : 30 ] الآية لكن لا يشترط الاطراد في وجه التسمية « 1 » فالمراد ملائكة الرحمة . قوله : ( ومعنى دون أدنى مكان من الشيء ) هو أصله للتفاوت في الأمكنة فهو ظرف مكان كعند إلا أنه ينبئ عن دنو وانحطاط فلذا قال ومعنى دون أدنى مكان من الشيء أي أقرب مكان منه لكن مع انحطاط قليل ودنو أي قرب كثير وإلى هذا أشار بلفظ افعل التفضيل بمعنى أقرب وحاصله قرب كثير وأما الانحطاط فلما عرفت من أن أصله للتفاوت في الأمكنة وأما القلة فلأن القرب الكثير لا يلائمه الانحطاط الكثير ( ومنه ) أي أخذ منه باعتبار اشتماله معنى القرب الكثير ( تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض ) والأخذ من الاشتقاق يجري في الجوامد أيضا فلا يضره كون دون اسما جامدا ثم بين المناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه بقوله لأنه إدناء البعض من الكتب إلى بعض آخر منها حسا فيكون البعض منها قريبا من البعض الآخر إذ الإدناء وهو التقريب يستلزم القرب فلا إشكال بأنه لا وجه لقوله لأنه إدناء البعض إلا بتكلف وقد نبه على هذا في بعض الحواشي ولم يلتفت الشيخان إلى ما ثبت في اللغة من أنه مأخوذ من الديوان بكسر الدال وفتحها الدفتر لأنه مع كونه فارسيا وإن كان معربا لا يحسن كونه مأخوذا منه لأنه يحتاج إلى اعتبار كون الديوان مقدما في الوضع على وضع التدوين وبيانه مشكل . قوله : ( ودونك هذا أي خذه من أدنى مكان منك ) أي ومنه أخذ أيضا ما عد من أسماء الأفعال وهو دونك هذا أي خذه من أدنى مكان منك وأقربه نقل عن الرضي دونك بمعنى خذ وأصله دونك زيد برفع ما بعده على الابتداء فاقتصر من الجملة على الظرف وكثر استعماله فصار اسم فعل بمعنى خذ وعمل عمله قيل قوله من أدنى مكان أي أصله خذه من أدنى مكان وأقربه ثم عمم لكل أخذ انتهى . إذ مطلق الأخذ لا وجه لأخذه من دون قوله : ومعنى دون أدنى مكان من الشيء قال بعضهم معناه أن دون لبيان التفاوت في المكان حتى يقال لمن هو أنزل في المكان من آخر هو دون ذلك ثم شبه التفاوت في المراتب المعنوية بالتفاوت في الأمكنة فاستعير له دون فقيل لمن هو انزل من الآخر في الشرف هو دونه ثم اتسع فيه واستعمل في المجاوزة من حد وإن لم أنزل من حد وإن لم يكن أنزل إلى حد آخر فهو بالنسبة إلى هذا المعنى مجاز في المرتبة الثانية كما في قوله عز وجل : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 28 ] أي لا يتجاوز ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين .

--> ( 1 ) فلا إشكال بأن هذا الوجه يقتضي كون الملائكة شهداء وأيضا يقتضي كون المتقين شهداء أيضا .